محمد عبد الحكم دياب - القدس العربي

كشفت زيارة الرئيس حسني مبارك لواشنطن بعدا هاما في نمط تعامله مع المصريين، حين سئل عن التوريث ودور ابنه الأصغر في الحياة السياسية المصرية، وفي ردوده استخف مبارك الأب كثيرا بعقول مواطنيه، باللعب على وتر الملل الذي تسرب إلى النفوس بضغط مشروع التوريث، والرهان على المراوغة التي أجادها خلال سنوات حكمه المزمن، واعتماد لغة مائعة في ما يتعلق بقضية مستقبل الحكم. وعلينا أن نعترف أن الميزان مال لصالح مشروع التوريث.
وتؤكد أوساط عليمة أن المشروع هو مشروع الأب، تولى هندسته وصناعته وتنفيذه. فالإبن لا ترشحه ملكاته ولا قدراته أو ثقافته ليكون ناشطا عاديا في اتحاد طلابي، فما بالنا بطموح حكم دولة بحجم مصر! وادعى الأب للصحافة الأمريكية بأن ابنه ظل رافضا الانضمام للحزب الحاكم مدة طويلة. وكان عمله في الأساس قد بدأ في المصارف المصرية والأمريكية. ونضيف من عندنا أنه مارس أعمال السمسرة والمضاربة المصرفية وتعلم عقد الصفقات حينما أوكلت إليه عملية بيع ديون مصر، وكان وقتها في العشرينات من العمر أثناء فترة عمله بالمصرف الأمريكي (بنك أوف أميركا) بلندن. وعلى أساس هذه الخبرة يحكم مصر ويدير شؤونها بعد أن وجد من ‘يقنعه’ بالانضمام للحزب الحاكم الذي يرأسه والده. ومشروع التوريث مشروع عائلي مئة في المئة، ومن أجله صدرت قرارات رئاسية واتخذت إجراءات إدارية وضعت جمال مبارك في المناصب التنفيذية التي بدأها مستشارا اقتصاديا يتبع رئاسة الجمهورية، إلى أن أوكلت إليه مهام مالية وشبابية وحزبية جعلت منه صاحب النفوذ الأقوى في مصر، وما كان له أن يمارس دوره الحالي كحاكم فعلي للبلاد دون رغبة الأب وبغير القرارات التي صدرت ولا الإجراءات التي اتخذت. بعدها اكتفى الأب بأن يكون الواجهة الخارجية لحكم ابنه، بجانب قيامه بمهمة رجل الإطفاء حين تكون هناك حاجة إلى محاصرة الحرائق التي يشعلها الإبن وفريقه.
ونعلم أن وجهة نظر حسني مبارك في المصريين تقوم على الاحتقار الشديد. ووجهة نظره السلبية فيهم شكلت قناعاته بأن جعلت حكم مصر شأنا شخصيا لا يقبل شراكة من أحد، وردد كثيرا عدم عثوره على مصري واحد ‘يكون قلبه على مصر’ - حسب تعبيره - ليسند إليه منصب نائب الرئيس. وادعى أن السادات كان محظوظا حين اختاره وأسند إليه المنصب. وتحول الشأن الشخصي بالنسبة للحكم إلى شأن عائلي. المهم أنه حول مصر من دولة لها حاكم إلى مزرعة يملكها سيد، على الرغم من وجهة النظر التي تقول بأن حسني مبارك توحد مع الحكم وتوحد الحكم فيه وتستبعد تخليه عنه تحت أي ظرف، إعمالا لرحلة الحاكم العربي، التي تبدأ بالقصر وصولا إلى القبر، دون حاجة إلى محطة في الوسط يستريح فيها من عناء الاستبداد وقهر الرعية. وانتقال الحكم من الشأن الشخصي إلى الشأن العائلي يجعل حسني مبارك ضليعا في مشروع التوريث مهما كان رأيه. وحين يراجع الإنسان نفسه يجد ما ذكره وأكده آخرون عن أهمية اتمام هذا المشروع في حياة الأب. لأن الابن يستمد قوته ووجوده بنفوذ الأب وسلطانه وصلاحياته، ولولاه لبقي جمال مبارك شخصا أقل من العادي، بسبب محدودية قدراته وتدني مهاراته وضعف مستوى ذكائه الاجتماعي. فالأب هو الذي تنازل طواعية عن سلطاته وصلاحياته له، وهو ما لم يحدث مع أقرب المقربين.
لذا فإن استخدام سلاح الملل والمراوغة والميوعة لتمرير المشروع يتم عن عمد. ويستثمره الأب في توفير كل سبل التمكين لابنه، وتسليمه مفاتيح القوة والسلطة بعد تمكينه من الثروة والمال والنفوذ. ولم يتبق إلا مؤسسات القوة، خاصة القوات المسلحة، التي إذا استعصت فمن المرجح أن تواجه بـ’انقلاب بوليسي’ تقوم به الشرطة وقوة مباحث أمن الدولة الاخطبوطية. وثمن ذلك يمكن دفعه بتعيين قادة الانقلاب في مناصب عليا في الحكم تدر عليهم مبالغ طائلة. وقد سجل حسني مبارك عدة أهداف في ملعب مناهضي التوريث، لا يجب التقليل منها، وفي وقت بدا فيه الحراك الرافض للتوريث في حالة تراجع.. تعتريه رتابة، ويشكو من انطفاء الوهج الذي أضاء سماوات عامي 2004 و2005 وألقى بضيائه على مستوى من الجسارة في مواجهة أكبر عملية تزييف للانتخابات التشريعية والرئاسية وللتشريعات والقوانين التي مهدت لها ولحقتها بعدما كشف الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات إمكانية انهيار الحكم وسقوط مشروع التوريث. هذا الوهج خبا وعاد ال




































